السيد محمد حسين فضل الله
26
من وحي القرآن
الذي تبتلعه الأرض - أن يكون المراد به دم الحيض الذي ينصب فيها فتصرفه الرحم في غذاء الجنين ، وما تزداد هو الدم الذي تدفعه إلى خارج كدم النفاس والدم أو الحمرة التي تراها في أيام الحمل أحيانا « 1 » . وقد يستظهر القارئ ، من خلال الجو السياقي للآية ، أن التعبير وارد على سبيل الكناية في طبيعة أوضاع الحمل في رحم الأنثى ، مما قد يسقط ، فلا يبقى له أثر في الرحم ، كالماء الذي لا يبقى له أثر في الأرض ، فينقص لأنه لم يضف إلى الوجود شيئا ، أو أنه وجد ، ثم زال . أما ما يزداد فهو الذي يستقر ويبقى أو يتكاثر ، فليس الحديث عن شيء آخر تحمله الأنثى بل هو تفصيل له واللَّه العالم . وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ حيث تضع الحكمة الإلهية للأشياء حدودا على مستوى الكم والنوع والشكل والجو الذي يحيط بها ، تبعا لحاجات النظام الكوني إلى بلوغ غايته في حركة الحياة ، فلا مجال للعبث أو للفوضى أن تبعد الأشياء عن الخضوع لقاعدة تحكمها ، أو لقانون يسيطر عليها . فقد جعل اللَّه للكون قوانينه ونظمه التي تحدد للأشياء مسارها ، وللإنسان نظامه ، وهذا ما جعل العلماء ، في كل دراستهم للظواهر الكونية ، ينطلقون من قاعدة مسلمة وهي : أن لكل واحدة منها سرا خفيا ، ونظاما متقنا ، قد لا يدركه الباحث في البداية لغموضه ، ولكنه يصل إليه ، من قريب أو من بعيد ، عندما يتحرك نحوه من موقع البحث والتحليل والتأمل . عالِمُ الْغَيْبِ الذي لا يدركه الحس ، في الحاضر والمستقبل ، وَالشَّهادَةِ الذي يمثل الحضور الحسي للأشياء التي لا يمتنع فيها الإدراك البسيط بأدوات الإحساس ، الْكَبِيرُ الذي يصغر كل مخلوق أمام حجم عظمته ، ويتصاغر كل عظيم عنده ، الْمُتَعالِ الذي لا يبلغ أحد علو شأنه
--> ( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 11 ، ص : 307 .